صديق الحسيني القنوجي البخاري
90
فتح البيان في مقاصد القرآن
المولد ، ثم ليلة القدر ثم ليلة الإسراء فعرفة ، فالجمعة ، فنصف شعبان ، فالعيد ، وأفضل الأيام يوم عرفة ، ثم يوم نصف شعبان ، ثم يوم الجمعة ، والليل أفضل من النهار . فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال عطاء : يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة ، وقال الفراء : المضي والسعي والذهاب في معنى واحد ، ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي اللّه عنهما : فامضوا إلى ذكر اللّه ، كما سيجيء وقيل : المراد القصد ، قال الحسن : واللّه ما هو سعي على الأقدام ، ولكنه قصد بالقلوب والنيات . وقيل : المراد به السعي على الأقدام ، وذلك فضيلة وليس بشرط ، والأول أولى ، وقيل : هو العمل قال ابن عباس : يعني ليس المراد به السرعة في المشي ، كقوله : مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ الإسراء : 19 ] وقوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ الليل : 4 ] وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] ، وقول الداعي : وإليك نسعى ونحفد . قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ، أي فاعملوا على المضي إلى ذكر اللّه واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه ، وعن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه : فامضوا إلى ذكر الله فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت : أبيّ بن كعب قال : إن أبيا أقرأنا المنسوخ أقرأها فامضوا إلى ذكر اللّه ؟ رواه ابن المنذر وابن الأنباري وابن أبي شيبة وأبو عبيدة في فضائله وسعيد بن منصور . وروى هؤلاء غير أبي عبيد . عن ابن عمر قال : « لقد توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما نقرأ هذه الآية التي هي في سورة الجمعة إلا : فامضوا إلى ذكر الله » ، وأخرجه عنه أيضا الشافعي في الأم ، وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم ، وأخرجوا كلهم أيضا عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : فامضوا إلى ذكر اللّه . قال : ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي ، وعن أبيّ أنه قرأ كذلك ، والمراد من ذكر اللّه هنا صلاة الجمعة ، وقيل : موعظة الإمام ، والأول أولى ، وقال الجمهور : الخطبة . وبه استدل أبو حنيفة على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد للّه جاز . وعن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم ، وهذا الحديث يعم كل صلاة ويدخل فيه صلاة الجمعة ، فهو كالتفسير للآية .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 21 ، ومسلم في المساجد حديث 154 .